قصص و روايات

بنتي اختفت

— اهدي…
زقيت إيده بعيد.
— تمن سنين وأنا هادية! المرة دي محدش هيخبّي عني حاجة.
نادية فتحت الروب ببطء.
قربت من الطرف الداخلي.
مكان الحروف الأولى من اسم بنتي كان موجود فعلًا…
لكن تحت الياقة كان فيه مستطيل صغير متقصوص بعناية.
قلت:
— إيه اللي كان هنا؟
نادية ما ردتش.
وفجأة جوزي قال:
— جيب تحديد الموقع.
بصيتله:
— إيه؟
أشار للموبايل.
— الرسالة اللي وصلتنا حالًا. الصورة اتصورت من جوه الفندق. يعني اللي باعتها قريب مننا.
وفي اللحظة دي…
سمعنا صوت حاجة وقعت في الدور اللي فوق.
جريت ناحية السلم.
نادية صرخت:
— استني!
لكن ما وقفتش.
طلعت السلم بسرعة، وجوزي ورايا.
وصلنا الدور التاني.
الممر كان فاضي.
وفي آخره باب بيتحرك ببطء.
دخلت.
الأوضة فاضية.
الشباك مفتوح.
وعلى السرير…
كان فيه روب فيروزي جديد.
نفس لون روب بنتي قبل ما يبهت.
قربت منه.
فوقه ورقة مكتوبة بخط إيد.
عرفت الخط قبل حتى ما أقرأ.
خط بنتي.
“ماما…
لو وصلتي للأوضة دي، يبقى أخيرًا فهمتي إن الشمس كانت المفتاح.”
قلبت الورقة.
“بصي جوه الشمس.”
وقتها دخلت نادية.
بصيت للروب اللي عليها.
للشمس الصفرا المعوجة.
مسكت طرفه وبدأت أفحص الرقعة.
نادية حاولت تمنعني:
— بلاش!
لكن جوزي مسك إيدها.
فكيت أول غرزة.
وبعدين التانية.
ومن تحت رقعة الشمس…
وقع شيء صغير جدًا على الأرض.
كارت ذاكرة.
نادية غمضت عينيها.
قلت:
— إنتِ كنتِ عارفة إنه هنا.
سكتت.
— عشان كده احتفظتي بالروب تمن سنين!
قالت وهي بتعيط:
— بنتك خيطته بنفسها جوه الرقعة قبل ما تختفي للمرة التانية.
حطيت كارت الذاكرة في الموبايل.
ظهر تسجيل صوتي واحد.
ضغطت تشغيل.
صوت بنتي ملأ الأوضة:
— ماما… لو سمعتي ده، يبقى نادية أخيرًا نفذت وعدها.
بصيت لنادية.
التسجيل كمل:
— أنا اللي طلبت منها ما تديكيش الروب إلا لما الشخص اللي بدور عليه يظهر تاني.
قلبي بدأ يدق أسرع.
“أنا ما كنتش مستخبية من عمي بس…
أنا فضلت بعيدة لأن الصور اللي معايا كانت ناقصة.
كان فيه شخص رابع بيدير كل حاجة، ومحدش كان عارف اسمه.”
ثم سكتت ثواني.
“من 11 شهر لقيته.”
شهقت.
يعني الصورة اللي وصلتهم من 11 شهر…
بنتي هي اللي بعتها فعلًا.
صوتها كمل:
— وعشان أوصل له، كان لازم أخليه يصدق إني لسه لوحدي… وإن ماما ما تعرفش إني عايشة.
بدأت أعيط وأنا بسمعها.
— عشان كده سامح ونادية وبابا وافقوا يساعدوني، حتى لو ده معناه إن ماما تكرههم لما تعرف.
بصيت لجوزي.
كان بيعيط في صمت.
لكن التسجيل لسه ما خلصش.
بنتي قالت:
— ماما… أنا آسفة على التمن سنين. عارفة إن مفيش سبب يمسح الوجع اللي عيشتيه. بس لو الخطة نجحت، هاجي لك بنفسي.
وفجأة…
صوتها اتغير.
— وفي حاجة أخيرة: نادية ما سرقتش الروب. أنا اديتهولها علشان في يوم يرجعك ليا.
التسجيل انتهى.
فضلت واقفة مش قادرة أتكلم.
ثم وصل إشعار جديد للموبايل.
رسالة من نفس الرقم المجهول:
“انزلي للشاطئ. لوحدك.”
وتحتها:
“وهاتي الروب.”
بصيت لنادية.
نزعت الروب فورًا وناولتهولي.
جوزي قال:
— مش هتروحي لوحدك.
قلت:
— لو دي بنتي… هروح.
خرجت من الفندق.
مشيت ناحية البحر وأنا حاضنة الروب على صدري.
وصلت للمكان المكتوب في الرسالة.
الشاطئ كان شبه فاضي.
وقفت عند الميه.
مرت دقيقة.
وبعدين اتنين.
وفجأة سمعت صوت ست من ورايا:
— ماما؟
جسمي كله اتجمد.
الصوت اتغير عن صوت بنت الـ16 سنة اللي فاكره…
لكن قلبي عرفه.
لفيت ببطء.
كانت واقفة على بعد خطوات.
بنت في الرابعة والعشرين.
شعرها أقصر.
ملامحها أكبر.
وفي رقبتها…
سلسلة الفضة.
وقعت مني شنطة الروب.
همست:
— بنتي؟
دموعها نزلت.
وقالت:
— وحشتيني يا ماما.
جريت عليها.
لكن قبل ما أوصل لها…
صرخت فجأة:
— ماما، لأ! وراكي!
لفيت.
وشوفت راجل خارج من بين العربيات ناحية الشاطئ.
ولما قرب وشه ظهر بوضوح…
عرفت ليه بنتي فضلت مستخبية تمن سنين.
لأن الراجل الرابع اللي كانت بتدور عليه…
كان الشخص نفسه اللي قاد تحقيق اختفائها من أول ليلة.
لفيت ناحية الراجل…
وعرفته فورًا.
حتى بعد تمن سنين.
الرائد حسام.
الضابط اللي استلم بلاغ اختفاء بنتي بنفسه.
الراجل اللي كان بييجي بيتنا كل أسبوع تقريبًا في أول شهر.
واللي قال لي بعد شهور:
— للأسف، كل الخيوط وقفت.
بنتي صرخت:
— ابعدي عنه يا ماما!
حسام وقف على بعد كام متر وقال بهدوء:
— أخيرًا ظهرتي.
بنتي طلعت موبايل من جيبها ورفعته:
— كل حاجة بتتسجل.
ضحك.
— بعد تمن سنين لسه فاكرة إن تسجيل هيوقعني؟
فجأة ظهر جوزي ونادية من ناحية الفندق.
جوزي وقف جنبي.
قلت لبنتي وأنا مش قادرة أبعد عيني عنها:
— ليه؟ ليه تمن سنين؟!
قالت والدموع في عينيها:
— هقولك كل حاجة… بس لازم نخرج من هنا الأول.
حسام اتحرك خطوة.
وفي نفس اللحظة، سمعنا صوت عربيات جاية من بعيد.
بنتي ابتسمت لأول مرة.
وقالت:
— المرة دي أنا ما جيتش لوحدي.
عربيتين وقفوا عند مدخل الشاطئ.
نزل منهم رجال شرطة.
لكن بنتي فضلت مكانها.
أحد الضباط قرب من حسام وقال:
— حسام منصور، مطلوب حضورك للتحقيق في قضية إخفاء أدلة والتلاعب بمحاضر رسمية.
حسام بص لبنتي بغضب:
— إنتِ فاكرة إن الصور كفاية؟
ردت:
— الصور لوحدها لأ.
ثم بصتلي.
— لكن اللي جوه الشمس… كان كفاية.
وقتها فهمت.
كارت الذاكرة اللي كان مستخبي تحت رقعة الشمس ما كانش عليه التسجيل الصوتي بس.
كان عليه نسخ من الصور الأصلية.
وتسجيلات.
وأسماء.
وأرقام تحويلات مالية.
وأهم حاجة…
نسخة من تقرير رسمي قديم يثبت إن كاميرا طريق صورت العربية اللي خرجت بيها بنتي من المنطقة يوم اختفائها.
التقرير ده عمره ما دخل ملف القضية.
لأن حسام أخفاه.
بعد ما أخدوه، جريت على بنتي.
المرة دي محدش وقفني.
حضنتها.
فضلت ماسكاها كأني لو سيبتها ثانية هتختفي تاني.
قلت وسط عياطي:
— ليه عملتي فيا كده؟ ليه ما كلمتنيش؟
انهارت هي كمان.
— في الأول كنت خايفة. بعدين لما عرفت إن حسام هو المسؤول عن التحقيق، فهمت إن أي محاولة أرجع بيها ممكن توصله ليكي.
قلت:
— طب وبعد سنة؟ اتنين؟ تمن سنين يا بنتي!
نزلت عينيها.
— وهنا أنا غلطت يا ماما.
بصيتلها.
قالت:
— الخطر ما كانش السبب الوحيد.
سكتت لحظة.
— بعد فترة بقيت خايفة أرجع… خايفة من سؤالك ده بالذات. كل سنة كانت بتعدي كانت بتخلي الرجوع أصعب.
حضنتها تاني.
لكن كان يجب ألا يكون هناك ما يُقلق، فقد عادت أخيرًا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى