منوعات

فلاح لقى طفلة وبعد 10 سنين ظهرت

كان حسن ساكن لوحده في بيت صغير من الطوب اللبن، على أطراف القرية، من ساعة وفاة والدته اللي سابته وحيد من تمن سنين. كان راجل قليل الكلام، معروف عنه الطيبة والأمانة، بيقضي يومه كله بين أرضه والترعة اللي حافظ تفاصيلها حجر حجر. كان في نظر أهل القرية زي “الضل”، بيمر في صمت من غير ما يطلب من حد حاجة.

 

في صباح يوم شتوي، كان الضباب لسه فارش بياضه على الزرع، وحسن نزل بجرادلة عشان يروي أرضه. وقبل ما يوصل لشط الترعة، وقفته ريحة غريبة.. ريحة دافية، مش ريحة الطين ولا الزرع. فجأة، سمع صوت أنين خافت جداً، صوت طفلة بتبكي. مشي ببطء ناحية شجرة كافور عجوزة على الشط، وهناك، وسط الجذور البارزة، لقى مفاجأة هزت كيانه.

كانت طفلة رضيعة، ملفوفة في قماشة حمراء مطرزة بخيوط دهبية، خامة غالية جداً ومختلفة عن بيئة الفقر اللي هما فيها. حسن اتجمد، قلبه اللي كان مطفي من سنين رجع ينبض بحرارة. شالها بين إيديه، وبسرعة ركب حماره وجرى على عيادة الحاجة فاطمة، ممرضة القرية اللي الكل بيحترمها وبيعتبرها زي أمه. لما شافته فاطمة، ملامح وشها اتغيرت، وبان عليها ارتباك غريب، لكنها تماسكت وبدأت تهتم بالطفلة.

بدأت رحلة حسن عشان يحافظ على البنت. واجه تحقيقات ونظرات شك من ناس كتير، “إزاي راجل فقير هيربي طفلة؟”. لكن بمساعدة الحاجة فاطمة، قدر في النهاية ياخد حق الرعاية، وسماها “نور”.. لأنها فعلاً كانت النور اللي شق عتمة حياته.

مرت عشر سنين، ونور بقت هي روح البيت. كانت بتجري في الأرض، بتتعلم، وبتاخد من حسن كل حنان الدنيا. حياتهم كانت بسيطة جداً، مليانة رضا. الحاجة فاطمة كانت بتزورهم دايماً، وحسن كان بيعتبرها السند. لحد ما جه اليوم اللي اتكشف فيه المستور.

حسن كان بينضف صندوق قديم، ولقى القماشة الحمراء اللي لقى فيها نور. نور سألته عنها ببراءة. حسن قرر يروح للحاجة فاطمة يسألها عن أصل القماش ده، يمكن حد من القرية يكون له صلة باللي حصل. لما شافته فاطمة، ارتبكت جداً وبدأ صوتها يهتز، وحاولت تقنعه يحرق القماشة عشان “ما يفتحش مواجع”. حسن حس إن في سر كبير، وإن نظراتها مش طبيعية.

بعد أيام، دخلت عربية فخمة القرية، ونزل منها راجل أعمال تقيل اسمه “رضوان بيه”. بالليل، حسن لمح خيالين واقفين ورا مكنة الطحين، وسمع صوت الحاجة فاطمة وهي بتتكلم مع الراجل ده. الصدمة كانت إن فاطمة كانت بتطلب فلوس مقابل إنها تشهد ضد حسن في المحكمة وتتهمه بخطف نور، عشان يرجعها لأبوها الحقيقي اللي هو رضوان بيه.

اتضح إن فاطمة كانت ولّدت مرات رضوان السرية، وأخدت فلوس عشان تتخلص من الطفلة، لكن ضميرها ما طوعهاش، فرمتها في طريق حسن. ودلوقتي، رضوان عايز بنته بعد ما مراته التانية ما خلفتش، وفاطمة طمعانة في قرشين زيادة.

حسن رجع بيته ، وبدأ كابوس المحاكم. المحامي بتاع رضوان كان قوي، والشهود كدبوا، وفاطمة وقفت قدام القاضي تشهد زور. في الجلسة الأخيرة، لما القاضي كان هيحكم بتسليم نور، طلبت الطفلة تدخل القاعة. وقفت وبصت لرضوان نظرة قوية، وقالت: “اللي زرع الأرض ورواها بعرقه وشقاها، هو صاحب الطرحة.. مش اللي رماها في عز البرد”.

كلمات نور هزت القاعة، وفاطمة، اللي صحي ضميرها فجأة، انهارت وقررت تعترف بكل حاجة. القاضي أمر بالتحقيق مع رضوان وفاطمة، ورجعت نور لحسن.

مرت السنين، وكبرت نور واتخرجت من الجامعة، وحسن فضل دايماً جنبها. والبيت القديم، اللي كان مجرد مأوى بسيط، بقى شاهد على قصة حب أبوي حقيقي، أثبتت إن الأبوة مش بس دم، دي مواقف، وسهر، وتعب، وتضحية. وأي حد يمر من قدام أرض حسن ونور، بيفتكر دايماً إن أقوى الروابط هي اللي بتتولد من قلب المحنة، مش اللي بتتكتب في الورق الرسمي.

تنويه: هذه القصة من وحي خيال كاتبها، ولا تمت للواقع بصلة.

زر الذهاب إلى الأعلى